جبار ياور: البيشمركة موحدة "شكلياً" فقط وخطر الصراع الداخلي قائم
عقيد سابق بالجيش الأميركي يتوقع إعلان "النصر" بين بلاده وإيران ضمن تسوية لإنهاء الحرب
صلاح الدين.. مصرع عاملين وإصابة 3 إثر اختناق داخل أحد "المجاري"
الحرس الثوري: عبور مضيق هرمز أصبح آمناً ومستقراً
تجمع الدراسات الاجتماعية على ان العراق يمر بمرحلة ما يسمى "الهبة الديمغرافية"، اذ تشكل الفئة العمرية الشابة النسبة الأكبر من السكان، لكن هذه الهبة تحولت إلى ضغط لعدم استيعابها بالشكل الأمثل، فمعدلات النمو السكاني العالية تضع ضغطا هائلا على البنى التحتية مثل التعليم، والصحة، والإسكان، التي لم تتطور بموازاة هذه الزيادة، كما ادت الهجرة العشوائية من الريف إلى المدينة إلى نشوء أحزمة الفقر حول المدن الكبرى، وهي بيئات خصبة للمشكلات الاجتماعية والنفسية نتيجة غياب الخدمات والاكتظاظ.
فيما يتعلق بالتعليم فهو في أزمة، فثمة الفجوة مع سوق العمل وانفصال حاد بين ما يدرسه الطالب وبين ما يحتاجه الواقع، اذ ان تزايد أعداد الخريجين سنويا يقابله سوق عمل محدود يعتمد بشكل واسع على التعيينات الحكومية التي وصلت لحد الإشباع، كما ان تراجع ترتيب المؤسسات التعليمية أدى إلى ضعف المهارات التقنية لدى الشباب، مما يجعلهم غير منافسين في القطاع الخاص.
يرافق ذلك، ان المعضلة النفسية والاجتماعية أدت "بحسب البيانات المتوفرة" الى زيادة حالات الانتحار بين الطلبة والشباب وهي ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة لتراكمات معقدة، اذ يشعر الشاب العراقي بانسداد الأفق؛ فالدراسة لا تضمن وظيفة، والوظيفة لا تضمن حياة كريمة، مما يولد حالة من اليأس الوجودي، و ثقافة كليات "القمة" مثل الطب والهندسة من جهة والضغط العائلي لتحقيق نجاحات معينة تضع الطالب تحت ضغط نفسي هائل، بخاصة مع غياب مراكز الدعم النفسي المتخصصة في المدارس والجامعات، وفضلا عن ذلك فان جيل الشباب الحالي عاصر أزمات أمنية وحروب متلاحقة، مما أدى إلى انتشار ما يسمى في علم النفس والمصطلحات العسكرية "اضطراب ما بعد الصدمة" غير المعالج على نطاق واسع.
وبرزت في السنوات الأخيرة تحديات سلوكية دخيلة من ذلك المخدرات التي أصبحت وسيلة "هرب" مدمرة لبعض الشباب من واقعهم المرير، وهي تفتك بالصحة النفسية وتدفع نحو الجريمة أو الانتحار، ومع الانفتاح الرقمي غير المحصن، وقع كثير من الشباب لاسيما الفتيات ضحايا لعمليات ابتزاز أدت في حالات موثقة إلى إنهاء حياتهم خوفا من "العرف" الاجتماعي، كما ان الفساد والمحسوبية على صعيد الدولة والمجتمع أنتج شعورا بالظلم وتآكل الثقة بمؤسسات الدولة.
ان معالجة مشكلات الشباب الخطيرة ومن ذلك ظاهرة الانتحار يستدعي فتح قنوات حوار حقيقية، وتوفير فرص اقتصادية عادلة، والأهم من ذلك، جعل المؤسسات التعليمية أكثر إنسانية لتكون ملاذا للطلبة لا ساحة للضغط النفسي، وان الاقتصاد في بلد مثل العراق ليس مجرد أرقام ونمو، بل هو المحرك الأساسي للاستقرار النفسي والاجتماعي، فعندما يتعثر الأمان المادي المعيشي، تهتز معه كل دعائم الصحة النفسية، ويتحول الطموح الشبابي إلى عبء ثقيل.
الشاب الذي يقضي سنوات في الدراسة ثم يجد نفسه عاطلا، يشعر بسقوط قيمته الاجتماعية أمام أسرته ومجتمعه، هذا الشعور يولد الاغتراب النفسي، اذ يشعر الشاب أنه غريب في وطنه، مما يمهد الطريق للأفكار السوداوية، وكذلك ان تأخير سن الزواج يشكل ضغطا آخر، فالوضع العراقي يفرض تكاليف باهظة للبدء بحياة مستقلة من ذلك السكن، وشروط الزواج وتأثيث المنزل، وعدم القدرة على بناء أسرة في السن الاعتيادي يؤدي إلى إحباطات عاطفية وبيولوجية تتحول بمرور الوقت إلى اكتئاب مزمن أو اضطرابات قلق.
وتضع وسائل التواصل الاجتماعي الشباب في مقارنة مستمرة مع أقرانهم في دول أخرى، مما يعمق الشعور بالدونية والحرمان النسبي، وحتى الشباب الذين يجدون عملا في القطاع غير المنظم، يعانون من غياب الأمان فالعمل لساعات طويلة بأجور زهيدة من دون ضمان اجتماعي أو صحي يجعل الشاب في حالة تأهب دائم وخوف من المستقبل، وكذلك ممارسة مهن لا تليق بالتحصيل الدراسي مثل العمل كبائع متجول أو سائق دراجة توصيل لخريج هندسة، تسبب "صدمة التوقعات" التي تنتهي غالبا بانهيار نفسي.
الحقيقة القاسية، هي أن الوعظ الديني المنتشر في العراق من على المنابر، لا يمكنه ملء فراغ المعدة أو تأمين إيجار السكن، الإصلاح يبدأ من تفعيل القطاع الخاص لتقليل الضغط على التعيين الحكومي وخلق فرص حقيقية، وإطلاق قروض المشاريع الصغيرة لكن بشروط ميسرة فعلا وليس شكليا، لإعطاء الشاب شعورا بـالملكية والقدرة على التغيير، وتوجيه التعليم بربط التخصصات الجامعية بحاجة السوق الفعلية لتقليل صدمة ما بعد التخرج.
الحكومة العراقية تعد أكبر مشغل في البلاد، لكن هذا التوظيف غالبا ما يكون لغايات سياسية أو لامتصاص الغضب الشعبي، مما أدى إلى الإشباع الوظيفي، اذ وصلت معظم الوزارات إلى طاقة استيعابية تفوق حاجتها الفعلية بأضعاف، مما جعل "التعيين المركزي" عبئا على الموازنة بدلا من أن يكون محركا للتنمية، كما لا يتواجد ربط بين مخرجات وزارة التعليم العالي وحاجة الوزارات الخدمية والإنتاجية، مما يخلق فائضا هائلا في تخصصات لا مكان لها في الهيكل الإداري الحالي. والشاب يفضل الانتظار لسنوات للحصول على وظيفة حكومية بسيطة بدلا من العمل في شركة خاصة، لأن القانون لا يحميه في حالات الطرد التعسفي أو لا يوفر له راتبا تقاعديا مجزيا، وعدم حماية المنتج المحلي أدى إلى إغلاق المصانع والمعامل الأهلية، وهي الأماكن الاعتيادية لاستيعاب خريجي الكليات التقنية والمعاهد ونتج عن ذلك إغراق السوق بالمستورد.
الواقع العراقي بحاجة إلى الانتقال من الفوضى إلى الاستقرار الوظيفي بشتى مفاصله ويتطلب ذلك خطوات رئيسة أهمها تفعيل قانون التقاعد والضمان الاجتماعي للقطاع الخاص بحيث يتساوى الامتياز بين العمل في الدولة والعمل خارجها، ودعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة عبر منح قروض إنتاجية حقيقية وليست استهلاكية، مع إعفاءات ضريبية للشركات التي توظف العراقيين بنسب عالية، وفي مجال التعليم غلق الأقسام التي تعاني من فائض تاريخي، والتركيز على التعليم المهني والتقني والذكاء الاصطناعي.
–
وكالة أريدو للانباء الدولية وكالة أريدو للانباء الدولية