جبار ياور: البيشمركة موحدة "شكلياً" فقط وخطر الصراع الداخلي قائم
عقيد سابق بالجيش الأميركي يتوقع إعلان "النصر" بين بلاده وإيران ضمن تسوية لإنهاء الحرب
صلاح الدين.. مصرع عاملين وإصابة 3 إثر اختناق داخل أحد "المجاري"
الحرس الثوري: عبور مضيق هرمز أصبح آمناً ومستقراً
في مقابل الکاریزما الصاخبة القائمة علی التعبئة، هناک في المشهد السیاسي العراقي نمط آخر أکثر هدوءا: کاریزما الاتساق، جاذبیة تبنی من تکرار سلوک یمکن التنبؤ به، ومن إلتزام بخطاب لا یناقضه الفعل. هذه الکاریزما لا تراهن علی الانفعال، بل علی "الثقة المتراکمة"، ومن ثم القدرة علی تجدید المعنی داخل الاستقرار: تحدیث الأدوات، توسیع آفاق الشراکة، وإبقاء الخطاب حیا دون أن یفقد توازنه؛ نمط من صمیم الصواب تسمیته ب "النهج النیجیرفاني" في تعریف التوازن السیاسي، ورؤیة صوب "معمار الاعتدال" بین زحمة رکام الأجندات والمواقف والولاءات المتضاربة والمتصارعة دوما نحو التصعید والتأزیم، فهو متجذر في تجربته السیاسیة وسیما في المشهد العراقي.
في لحظات الاظطراب والأزمات، تمیل السیاسة الی الاختزال: شعارات حادة، إصطفافات مغلقة، وقرارات تدار تحت ضغط ردود الأفعال أکثر مما تبنی علی رؤیة. في مثل هذا المناخ، یبدو الاعتدال خیارا هشا، بل ومشوها أحیانا. غیر أن التجربة تظهر الاعتدال –حین یفهم بوصفه هندسة واعیة للتوازن- یمکن أن یتحول من موقف دفاعي إلی إستراتیجیة فاعلة لإدارة التعقید. هنا تبرز مقاربة نیجیرفان بارزاني، مقاربة لا تتعامل مع الاعتدال کمنتصف بین طرفین، بل کتصمیم سیاسي یعید ترتیب العلاقة بین القوة والمعنی.
إن نهج نیجیرفان بارزاني في الاعتدال هو مسار من أخلاقیة النوایا إلی عقلانیة التصمیم، فالاعتدال في تعریفه الشائع هو "نزوع الی الوسط"، لکنه في الممارسة السیاسیة العمیقة هو إختیار منهجي: تقلیل کلفة الصراع دون تعطیل الحرکة، وتوسیع هامش الممکن دون التفریط بالثوابت المبدأیة. بهذا المعنی، لا یقدم بارزاني الاعتدال بوصفه "تخفیفا للنبرة"، بل إدارة دقیقة للحدود "حدود اللغة، وحدود الفعل، وحدود المخاطرة". إنه إنتقال من سیاسة رد الفعل إلی سیاسة بناء المسارات، حیث تقاس القرارات بقدرتها علی فتح قنوات، لا بإغلاقها؛ وعلی تثبیت قواعد لعب مستدامة، لا تحقیق مکاسب ظرفیة سریعة.
في قلب هذه الهندسة یقف الخطاب، لیست اللغة هنا زخرفة، بل "بنیة إنتاج فکري للواقع"، إذ یتجنب الخطاب الثنائیات الحادة، ویستبدلها بمفردات قابلة للتداول المشترک: الشراکة، التعایش، الاستقرار، هذا التحول لیس لغویا فحسب؛ إنه إعادة تأطیر للادراک العام. فحین تخفف نبرة "نحن/هم"، تتسع المسافة التي یمکن فیها لاتفاهم، وحین تستبدل لغة الغلبة بلغة المصالح المتبادلة والمصیر المشترک، تتغیر قواعد اللعبة: من کسب صغری الی مکاسب موزعة. هکذا یصبح الخطآب أداة لبناء الثقة، لا مجرد وسیلة للإقناع اللحظي.
في بیئة سیاسیة مثل البیئة العراقیة الیوم، حیث تتشابک فیها الأجندات وتتقاطع فیها المصالح والحساسیات، تتحول الدبلوماسیة إلی "إقتصاد للثقة"، رأس مال نادر یتراکم ببطء ویهدر بسرعة. یعتمد هذا النهج علی رسالة متوازنة، وانفتاح محسوب، وحرص علی إبقاء الجسور قائمة حتی في أوقات الخلاف. فالقوة هنا لا تقاس بحدة الموقف، بل بقدرة الموقف علی الاستمرار دون أن یستهلک رصیده. إن توسیع هامش الحرکة یتطلب تخفیض کلفة الاحتکاک، وهذا ما یفعله الاعتدال حین یمارس بعقلانیة وواقعیة، حیث یجنب الاستقطاب الحاد، ویترک مساحات للعودة والتصحیح.
في مجتمعات متعددة الولاءات، یصبح التوافق شرطا للاستقرار لا خیارا ثانویا، فلا یکتمل أي توازن خارجي دن بنیة داخلیة قادرة علی إستیعاب التباین. هنا تتجلی الهندسة في تحویل الاختلاف إلی طاقة منظمة: قنوات تشاور، قواعد مشارکة، وآلیات تبقي الخلاف داخل الإطآر المؤسسي. فالهدف لیس إزالة التناقضات، بل تدبیرها بحیث لا تتأزم أکثر أو تنفجر. الاعتدال في هذا المستوی هو فن تحویل التوتر إلی حوار منتج، والاختلاف الی تنوع قابل للإدارة.
من أهم خصوصیات نهج نیجیرفان بارزاني في الاعتدال السیاسي، هو المزاوجة بین المرونة والحزم: أن تنفتح حین یفید الانفتاح، وأن تقرر حین یفرض الواقع القرار. قد یقرأ الاعتدال کتردد أو ضبابیة، کما أن الإفراط في التوازن قد یبطیء القرار حین یکون الحسم مطلوبا، فالمعیار هنا لیس شدة الموقف، بل ملائمته للسیاق، ولیس سرعة القرار بل دقته وإستدامته.
إن ما یقدمه هذا النهج هو خارطة طریق في التفکیر العقلاني والخطوة العملیة الواقعیة، وجوابا حین نسأل أنفسنا: کیف نحول الاعتدال من موقف دفاعي الی أداة للقیادة.
في النهایة، قد لا یغیر الاعتدال طبیعة العواصف، لکنه یغیر طریقة الابحار فیها. وهذا في حد ذاته، تعریف جدید للتوازن السیاسي.
–
وكالة أريدو للانباء الدولية وكالة أريدو للانباء الدولية